كان أبو عبدالله قد عانا من ضرسه طوال الليل وكان يضنه مجرد ألم عابر ولكن المسألة طالت واكثر من اللازم بعد اداء صلاة الفجر ، انطلقنا مبكراً إلى الطريق المؤدي إلى الحدود العمانية . اشترينا طعام الإفطار على الطريق . توقفنا عند أحد المارة لكي نستفسر عن المسافات حتى خريطة القارمن أصبحت صفحة فارغة يقف فيها السهم حائراً قلت : سلام عليكم . قال : وعليكم السلام . أنا : الطريق إلى الحدود العمانية كم كيلو ؟ قال : قصدك ( المهره ) يبغى لك 8 ويمكن 10 ويمكن 12 ساعة قلت : اذكر الله اخر كلام كم ساعة . الكيلوات شي لا يعرفونه الا في وزن الأشياء لم نعد نستفسر عن الكيلو .. بل عن الساعات وقفنا عند واحد بعده ، قلت المهره كم ساعة ؟ قال : مدري بس بعيد ؟ وقفت عند الثالث ، قلت المهره كم ساعة ؟ قال : ايش المهرة !! أدركت أن الطريق طويل وطويل جدا . بدأنا بتوديع المدينة والقرى التابعة لها بدا لنا الطريق وبه مناظر جميلة جدا ، ولكن لم نكن نعلم أن خلفه معاناة . بدأت الأمور بالاختلاف والتغير . الأرض قاحلة ومجدبة ، ابتعد الطريق قليلا عن البحر . الشمس سطعت في كبد السماء . لا أثر للوحات الإرشادية ، كما أن الطريق بدأ بالتردي قليلا وأكثر ماكان يقلقنا هو الوقود لا توجد محطات في الطريق لم يقف الأمر عند هذا الحد ، بل ازداد الأمر سوءاً . السيارات على الطريق قليلة جدا ، بل تكاد تنعدم . وبعض السيارات تسير دون لوحات . الطريق ازداد ردائة عن ذي قبل . واصلنا السير في طريق طويل لا يعلم أوله من أخره . الشمس حارقة . الخدمات والقرى في انخفاض مستمر . وفجأة ،، ظهرت المفاجأة الكبيرة ، الطريق تحول إلى ترابي يا ساتر يا رب ، ارحم يا رحيم . بدأت أشك في صحة الطريق ، وبعد أن سألت ؟ قالوا الطريق صحيح وهذا جزء وسينتهي . كنا كل ما شاهدنا محطة وقود تزودنا بالوقود ، وخطر ببالي أن نأخذ جالون بنزين احتياطا ، وليتني فعلت . الساعة تقترب من العاشرة صباحا ، ولازال الطريق ممتدا . إلا أنه تحسن كثير وعاد ليقترب من البحر بدأ الطريق يتحول إلى طريق جبلي والجو بدا جيدا وصار تغيير جذري في الطريق اصبح نظيفا ومخططاً وبه لوحات تحذيرية وإرشادية وذكرني بطرق عمان مع اننا ما زلنا في الجانب اليمني وبعيدين عن عمان . غيوم كثيفة ومنخفضة على شكل ضباب تعانق رؤوس الجبال . البحر له مناظر لا توصف بدأ التعب والملل والإرهاق يسيطر على العائلة والأطفال . وكأنك تسير إلى مجهول ، لا تعلم ماذا ستشاهد في الأمام . عندما أخبرك أن الطريق طويل فأنا أعني ما أقول الطريق طويل وخالي تماما تبقى من الوقود النصف كلما مرت دقيقة ، أعدت النظر إلى مؤشر الوقود ، وكأن شيئا في النفس ونتحاج الوقوف عند اول محطة وقود لأن هذه الفرصة قد لا تعوض . وجدنا محطة بنزين - الحمد لله - فرحنا كثيرا . دخلنا المحطة وإذا بالعامل يشير أن لا وقود فيها . سألته: أين سأجد؟ قال : ما أدري يمكن قدام بعد 200كم . واصلنا السير وازاد القلق . تبقى لنا الربع ووجدنا نقطة تفتيش سألت العسكري عن محطة وقود ، أرشدني وذهبت فوجدت نفس الإجابة طيب .. يا جماعة شوفو لنا حل . قال: عندنا أزمة بنزين في المنطقة . أغلقنا المكيف على أمل أن هذا سيوفر بعض الوقود . المؤشر يتجه إلى خط النهاية والطريق جبلي . حاول أبو عبدالله أن يقود بطريقة اقتصادية ، وجدنا محطة فاستبشرنا بها وتفائلنا . اقتربنا منها ، وإذا بالرجل يروح بيده ، ويواصل شرب الشاهي يعني بلغة الإشارة ما في بنزين مع السلامة . في هذا الوقت وانت تشاهد انعدام الوقود والمؤشر كان يتجه نحو النهاية لم يكن منظر القرى يثير الفرح والسرور !! لقد كانت القرى في قمة الحضارة والرقي والتطور خيام على البحر . يا سلام يا سلام ، يا رب رحمتك وسترك ، اخرتها نقعد في خيام . بدأت أحاديث النفس وبالنسبة لي أفكر كيف نقضي الوقت في هذا اللهيب وبهذه العائلة حتى يأتي الوقود ومتى سياتي هل سياتي اليوم أو غدا فكرت وفكرت ولم أجد حلولا إلا أن ألجاء إلى الله بالدعاء والإبتهال وقد لطف بي الله مرارا وبارك لي مابقي من وقود في مواقف عديدة حصل لي ان السيارة انطفأت بجانب مضخة الوقود لطف الله كبير ونسألك ياالله لطفك في هؤلاء الأطفال والنساء وأملي معدوم الا أملي بالله وهذه من الذكريات ومن فضائل ونعم الله التي لا تنسى وأحمد الله كثيراً كلما تذكرتها البنزين على وشك الانتهاء ضوء البنزين يومض والأعين كلها على جنبات الطريق علنا نجد شيئا . رأيت ما يشبه كبينة البنزين وقد كان لونها أسود ، وقد كانت وحيده ، لا أثر لوجود محطة وتصطف بجانبها حوالي 7 سيارات . توقفنا عندها : فيه بنزين يا طيب ؟؟ قال اصبر الوايت سيفرغ البنزين في الخزان وتنفسنا الصعداء وحمدت الله كثيرا وزالت الهواجيس وجدنا غرفة جعلوها بقالة اشترينا ما نروي به الظمأ وانا راجع إلى السيارة رأيت الكفر شبه فارغ من الهواء ولا يوجد بنشري في المكان .. ولكني احمل ماطور هواء ونفخت الكفر وسرنا على بركة الله عدنا لنستمتع بالطريق وهو ممتع بالفعل ولا معاك الا الصبر ، ومحاولة التمتع بالمناظر . مناظر متفرقة الساعة الثانية ظهرا ولا زلنا نسير ولا أمل لوجود مطاعم . وهذا نفق يخترق احد الجبال لكن بدأت السحب بالتكاثر والكثافة والاقتراب من الارض وبدأ الرذاذ بالتساقط سبحان الله ، ما أعظم خلقه ، جل في علاه وتباركت أسمائه وتعالى شانه دقائق معدودة ، وتنقلب الأرض ، وتختلف الدنيا برمتها . إنها محمية حوف اليمنية وهي المنطقة الحدودية بين اليمن وعمان ، ومعظم أهل اليمن لا يعرفون عنها شيئا جنة من جنان الدنيا تشبه صلالة كثيراً إلا انها غير مستغلة سياحياً برودة وجمال منقطع النظير وفجأة ظهر مكتب الجوازت والجمارك . الحمد لله وصلنا الحدود وأكملنا إجراءات الدخول لعمان وكانت الساعة الثالثة عصرا والرؤية شبه معدومة في هذا الطريق كنا نسير في محمية حوف اليمنية والمؤدية إلى الحدود العمانية وبعد الحدود العمانية ولكن يزداد الرذاذ ويصعب من الرؤية استلمت القيادة في الحدود العمانية ويبدوا ان أباعبدالله قد أعياه ألم ضرسه اللذي يزداد مع الوقت طبيعة ساحرة ، وجمال بالغ في هذه المحمية إلا أنه لا تواجد فيها إلا لما خلقه الله عز وجل من بهيمة الأنعام ، أما الجنس البشري فلا تكاد ترى له أثرا . في هذه الأجواء الرائعة ، والمناظر الخلابة كان وصولنا لمنطقة الحدود ، وقمنا بإجراء تختيم الجوازات في هذا الجو البديع . وفي هذه الأثناء وجدنا أحد الإخوة السعوديين قادماً من صلالة ومتوجها إلى السعودية عبر اليمن ، - يعني عكس رحلتنا تماما . فدار حديث بين أبو عبدالله وبينه اثناء انتظارنا لتختيم الجوازات فدثناه عن الطريق وعن الوقود وسألناه عن مسافة الطريق إلى صلالة واجابنا بأن أمامنا 5 ساعات إلى صلالة كلها ضباب ورذاذ ولا تشوف شي فتعجبت لأني كنت أظن أن الباقي حول 200 كيلو ولكن صدقته أكثر بعد ان مشينا قليلا حيث أن الضباب والرذاذ يحجبان الرؤية . ونحن في السيارة من الساعة 5 فجرا ولم تناول الغداء لعدم توفر المطاعم والساعة على وشك أن تصل إلى الثالثة عصرا ويقول باقي 5 ساعات يعني مصيبة كبيرة جداً . على بركة الله ، واصلنا السير وسط هذه الأجواء الرائعة ونسينا أو تناسينا الجوع والتعب فعلا الطريق تصعب فيه الرؤية بوضوح بل تنعدم في بعض المناطق ولكنه جميل وقد قام وفد باستقبالنا فور وصولنا مباشرة وربنا سلمنا توقفت جانبا لأستنشق أكبر عدد من ذرات الماء ولأصور هذه النبتة الجميلة والطريق كان صاعدا لأعلى الجبال ولكي تتخيل كيف تحيا هذه الأرض شهرين في السنة وتموت بقية الشهور شاهد هذه الصورة الفرق في التوقيت بينها وبين ما قبلها من الصور 3 أو 5 دقائق فقط لا تملك وأنت ترى هذا المنظر إلا أن تقول سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم . حاولت ايصال وصف المنطقة مرارا لأبوعبدالله منذ وجودنا في ديارنا وأثناء مشاهدته للأفلام التي صورتها وفي الطريق ولكنه بدا مندهشاً من هذه الظواهر الطبيعية المناخية لأبعد حد وكان لم يصدق ماسمعه ولا ألومه فالمنظر لا يوصف بالكلام ولا بالصور أين ذهبت الخضرة وأين تلاشت الطبيعة ، وما هذه الأرض الجدباء ؟ ما هذه الأرض القاحلة التي لا حياة فيها ولا ماء .؟ {{ فتبارك الله أحسن الخالقين }} تحت هذه السحب جنة من جنان الدنيا ، وفوقها ، قحط لا نظير له والسبب في نظري عدم قدرة السحب بتجاوز تلك الجبال الشاهقة وهي محملة بهذا البخار فتبقى دورتها محصورة بهذا المكان ولا تتعداه فتتكثف ويتساقت الرذاذ على جنبات الجبل وتزدان الوديان ويبقى سفح الجبال لاتصله السحب ويبقى بطبيعته البيئية وهناك خط فاصل بين الحالتين {{ فتبارك الله أحسن الخالقين }} . المكان لا يوصف ، متناقض تماما ، كلما انخفضت داهمك الرذاذ وسحرتك الطبيعة ، وإن ارتفعت فجعت الطريق كله عقبات نزول وصعود منظر السحب شئ خيالي تابعنا السير ، والجوع قد بلغ مبلغه أكلنا كل شئ في السيارة ، والتعب والجهد قد رسما على وجوهنا ما عبر عن الحال . والطريق قد هلوس بعقولنا ولعب بنا ، وكل الحالات مرت بنا في هذا الطريق صحراء ، بحر، جبال ، وديان ، صخور ، خضرة مطر ، ضباب و رذاذ . بدى لنا هذا الشاطئ وهو شاطئ المغيسيل توقفنا لنشاهده وكنت أود أن اريهم النوافير الطبيعية ولكن البحركان راكدا وقابلت أحد العمانين في هذا المكان وسألته عن الأجواء ليست كالسنة الماضية فأجاب نعم بل أقل من السنوات الماضية فلا وجود للشلالات والخضرة أقل بكثير من العام وكان كلامه محبطاً لي الحمد لله على السلامة ، الحمد لله على السلامة . وصلنا صلالة على بركة الله ، وبدأنا بالبحث عن السكن ، وكانت الأسعار مرتفعة رغم انتهاء الموسم وذهاب أغلب السائحين ، وذلك لوصولنا قبل رمضان بأيام قليلة . لم نطل البحث حتى وجدنا هذا السكن وبمبلغ وقدره 30 ريال عماني يعني 300 ريال سعودي ادخلنا العائلة ، وذهبت أنا وأبوعبدالله بعد المغرب لشراء العشاء وبعض ما يلزم ، وذهبنا للصيدلية لشراء مضاد حيوي لضرس أبوعبدالله وكم تحايلت عليه ليذهب للمستشفى فيرفض بشدة ولا أرى سبباً مقنع يمنعه فالمستشفيات متوفرة في صلالة .! احترنا في اختيار مطعم مناسب لنشتري منه العشاء . توقفنا عند أحد المطاعم وكان منظره مقبول . طلبنا عشائنا ازداد الألم على أبو عبدالله وتحول لمرض .. سخونة وفتور عجيب تمدد في السيارة والححت عليه مرات ومرات بالذهاب للمستشفى ويرفض في كل مرة وقال انام الليلة ون شاء الله اصبح على خير حال ، اخذت العشاء وتوجهنا للشقة ذهبنا للمنزل وتعشينا وكان الطعام لا طعم ولا ذوق والحمد لله على النعمة ولكنه يكاد الا يبلع والحمد لله اننا اتينا بمقرمشات وكعك واشياء اخرى كانت أفضل من ذلك الكباب -أوكمايدعون- وقد عانينا من ألأكل في صلالة منذ زيارتي في السنة الماضية ولم تتحسن في هذه السنة بل زادت سوءا من هذه الناحية .. نمنا تلك الليلة وكان أخي العزيز ابو عبدالله قد عانا في الليل معاناة أليمة ولم يكن الم الضرس فقط بل مرض في كامل جسده كان يحاول ان يخفي مرضه .. وحينما سألته في الصبح اجاب انه بخير و توجهنا نحو جبال صلالة الجميلة وأوديتها التي اكتست حللا خضراء توجهنا إلى عين حمران كان المكان خاليا تمام ، قضينا وقتا عند هذا المصب ثم توجهنا لمنطقة أخرى رغم انني مفاجئ من قلة خضرة هذه السنة وحرارة الأجواء توجهنا إلى وادي دربات طبيعة ساحرة ، وجمال متناهي ، فسبحان الله الخالق ، في جبال صلالة كل شئ يكتسي بالخضرة ...... ولكن ..... !! في صلالة العديد من الأمور التي تحرمك من بعض المتعة . فعلى الرغم من هذا الجمال والخضرة إلاأنك لا تستطيع الجلوس على الأرض في أغلب الأماكن حتى العشب الذي تراه بمجرد المشي عليه تبتل قدماك ، فالرذاذ يعانق أوراق الشجر والعشب . غابات وأشجار خضراء فاقع لونها تسر الناظرين ولا شئ غير أخضر إلا المكان الذي تسير فيه السيارات لا أثر للشلالات التي دائما ما تكون محط الأنظار في صلالة توجهنا لوادي دربات في العاشرة صباحا ، وتجولنا فيه قليلا ، وكان جميلا . ويظهر لك السياج وهو مستحدث الصنع فلم يكن موجودا ، ويظهر أن للسياحة والتطوير ضريبة لا بد من دفعها ، وهي حرمان الجميع من الدخول لهذه المسطحات الخضراء بدعوى عدم إفسادها . والإكتفاء بحجز الناس في شوارع ضيقة . كانت الساعة العاشرة صباحا والجو يميل إلى الحرارة مع الرطوبة جلسنا تحت إحدى هذه الأشجار ، المكان هادئ وجميل .