الجزء الثاني
الحكاية ( 2 ) : مدرسة الطين ( 1 ) :
بلغ الصغير ست سنوات أو كاد ، وبدأ الوالدان يهيئانه نفسيا ويعدان العدة لإدخاله المدرسة ، لكن الصغير كان يرفض وبشدة كل المغريات ، وأفلح الوالدان بإقناعه بأن شقيقه الأصغر سيصحبه للمدرسة ، فاطمأنت نفسه لذلك ، وزال شيء من الرهبة والخوف من هذا المجهول ، وفي صبيحة يوم صيفي اصطحبنا الوالد - رحمه الله - إلى ( المصوِّر ) ؛ لأنَّ الصور الشخصية من متطلبات المدرسة ، دخلنا إلى مكان التصوير وشعرنا بالخوف من الإضاءة الشديدة ، ومن هذا الرجل الذي يتحدث بلهجة غريبة ، وبدا الخوف جليا واضحا في صورة شقيقي ، حيث ظهر في الصورة يوشك على البكاء ، وكنا ارتدينا قبل التصوير ( كوت ) ولا أعلم لماذا ؟ ... إلا إن كانت ثيابنا غير مؤهلة للظهور !! وكذا قام المصور بتمشيط شعورنا المجعدة بمشط تكسرت أسنانه ... وبذا أنهى الوالد إجراءات التسجيل ، وبعد أيام قليلة أحضر لي حقيبة خضراء تغلق بإدخال قطعة حديدية في فتحة بنفس مقاسها مصدرة صوتا ، وعند إرادة فتحها يضغط على القفل ليتحرر من الفتحة ، كما أحضر دفترين أو ثلاثة ( أبو عشرين ورقة ) وأغلفتها ملونة بألوان باهتة ، وعلى غلافها الأول مربع لكتابة الاسم والمدرسة والصف ، أما الغلاف الخلفي فحوى جدول الضرب مقسوم بخط يبدأ من أعلى الطرف الأيمن وينتهي بأسفل الطرف الأيسر ، إضافة إلى مسطرة خشبية وبراية بمرآة وعلبة ألوان زيتية وكراسة ، الوالد الأمي أحضر لابنه كامل الأدوات المدرسية ، فهو طلب من صاحب المكتبة أن يعطيه ما يحتاجه طالب مستجد ، وأذكر في عنيزة مكتبتين في تلك الفترة : الأولى : المكتبة الوطنية ويملكها ( الدوسري والشوشان ) ومكانها في عمارة تجارية شرق المسوكف على الشارع الرئيس ، ومكتبة عنيزة ومالكها الخطـَّاط الشهير ( دويس الدويس ) ومكانها الشارع التجاري قرب محل الموسى - حاليا - ، ثم أنشأ أبو عزيز الطريف بيت الرياضة والثقافة في القاع ، واشتهر ببيع الملابس الرياضية ...
ارتاب الصغير في الأمر وتساءل : لمَ لمْ يـُحضر لشقيقه أدوات مدرسية ؟ ... ولم يسمع إلا كلمة ( بعدين ) ، فظلَّ ينتظر هذا ( البعدين ) ، ليستيقظ ذات صباح ( كئيب ) على الحقيقة المرة وهي : أنه سيذهب للمدرسة وحيدًا ، فشروط المدرسة لا تنطبق على شقيقه ذي الخمسة أعوام ، قامت الوالدة بإلباس صغيرها ثوبا نظيفا جدًا على غير العادة ، وبدأت المغريات تنهال على الصغير بمنحه ( قرشين ) وعبارات من التشجيع والتحفيز ، فيما الصغير يجابه كل ذلك بالرفض والبكاء وعبارات الشجب والتنديد والاستنكار لظلم يراه يحيف به فيما شقيقه الأصغر سينعم بالنوم واللعب وحده ... وشعر الصغير بيد حانية تمسك بيده الصغيرة الغضة ، تلك اليد الدافئة عطفا وحنانا لم تكن سوى يدٍّ طالما قبضت على المسحاة ومن قبلها ساقت إبل السواني فزرعت فيها الصلابة والخشونة ، سار الصغير بصحبة والده متجهين جنوبا من أمام المسجد مارين بمزرعة المتروك ثم الانعطاف يمينا ثم يسارًا من عند مسجد البحيرية ، ثم يمينا وما هي إلا خطوات والصغير يقف أمام مبنى طيني مهيب مخيف ذي باب واسع ( قراش شينكو ) ربما ، وأثناء المسير كان يراقب الطلاب السائرين للمدرسة ، ومعظمهم لم يصاحبه والده ، فكانت فرصة للأب لإقناع صغيره : شف هالصغير .. ما شاء الله .. وشف هذا .. سكن روع الصغير - وإن مؤقتا - أدخله الوالد وانصرف بعد أن تأكد أن ابنه يستطيع العودة بمفرده ... دخل الصغير من الباب الكبير وعلى اليمين واليسار أروقة ذات أعمدة بيضاء بياضها الجص ، وفي تلك الأروقة تنتظم الفصول ذات الأبواب الخشبية الملونة ، وتطل الأروقة على فناء يموج بالعشرات وأكثر من الطلاب منهم الصغار مثله ، ومنهم الكبير .. بل الكبير جدًا ( بشوارب كثة ) ، ومن سوء حظ الصغير أنه لم يجد من يعرفه بمثل سنه ، فالذين يعرفهم من جيرانه وأقرانه في الحارة كانوا سبقوه للدراسة ، وهم الآن مشغولون برفاقهم ، وكلما اقترب من أحدهم تركه وانصرف ، ولربما عنـَّفه : رح مع حقين ( الأولى ) .. لكنه لا يعرفهم فكيف يذهب معهم ، وهنا تذكر شقيقه وصديقه ورفيق عمره إلى اليوم ( عبد الرحمن ) وشعر بالرغبة بالبكاء ، ولعله فعل ... وفجأة علت أصوات تنادي على كل صف ... سادس .. خامس ... أولى .. أولى فجريت مع الصغار فانتظمت الصفوف ثم اتجهنا إلى الفصول ( أولى أ ) و ( أولى ب ) ، ولم يكن الفصلان في الأروقة ، بل كانا منعزلين إلى يمين الباب الرئيس ، وبجوار الدرج المؤدي للدور الثاني ، وتحت الدرج أخبرونا أنه توجد ( البغيلة ) ...
فإذا أردتم أن تعرفوا ( البغيلة ) فتابعوا ( حكايات من ذاكرة الطين ) ، فلا يزال للحكاية بقية - إن شاء الله