_(( _ طريق الحج السلطاني الكوفي _))_

أمر الله سبحانه وتعالى نبيه إبراهيم عليه السلام أن يبني في مكة أول بيت يقام لعبادة الله فقام إبراهيم بأمر الله وعاد إلى مكة وأخذ في بناء البيت وابنه إسماعيل يناوله الحجارة فلما ارتفع البنيان قام إبراهيم على حجر وهو مقام إبراهيم الموجود بجوار الكعبة ، قال تعالى (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ) البقرة/127 . ولما بنى إبراهيم البيت أمره الله أن يدعوا الناس للحج بقوله تعالى في سورة الحج "
"(وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق)"
ثم دعا إبراهيم عليه السلام بهذه الدعوات العظيمة لمكة ومن فيها : ( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمناً وأرزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ) البقرة/126 .
ثم دعا له ولذريته بقوله : ( ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ، ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ) البقرة/127-128 .
ثم دعا لأهل الحرم أن يبعث الله فيهم رسولاً منهم يدعوهم إلى عبادة الله وحده فقال : ( ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم ) البقرة/129 .
وقد استجاب الله دعاء نبيه إبراهيم فجعل مكة بلداً آمناً ورزق أهلها من الثمرات وبعث فيهم رسولاً منهم هو خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم وقد أمره الله أن يتبع ملة إبراهيم فقال سبحانه : ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ) النحل/123 .
ثم أمر الله سبحانه وتعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالحج وجعله ركنا من أركان الإسلام لمن استطاع بقوله تعالى ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا )
فاستجاب عباد الله لنداء ربهم ، يرجون رحمته ويخشون عذابه ، وحج الناس في عهد النبوة وبعدها حتى كثر المسلمين وتوسعت رقعة بلادهم فكان لزاما على الولاة أن يهيئ كل أمر يعين الناس على حجهم فقام الخلفاء الراشدون بدورهم وبذل الخلفاء من بعدهم كل جهد وتتابع الولاة في هذا الأمر حتى يومنا هذا
@
فكانت طرق الحج القديمة التي تخترق الجزيرة العربية كثيرة ومتعددة فمنها الفرعي ومنها الرئيسي وكانت لها أحوال ،، ومن هذه الطرق الشهيرة ،، طريق الحج الكوفي الذي نحن بصدده والذي أطلق عليه " درب زبيدة " نسبتا لزبيدة بنت جعفر المنصور وزوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد، وذلك نظرا لما قامت به من جهود جبارة على هذا الطريق والتي لا تزال شاخصة للعيان حتى يومنا هذا
@
(درب زبيدة)" هو نفسه (طريق الحيرة ) أهم الطرق القديمة بين الحيرة ومكة ، كانت تستخدم أجزاء منه من قبل التجار والمسافرين في الجاهلية ، وقد ذكر الجغرافيون المسلمون الأوائل أن الفرس أنشأ مواقع حراسة وحاميات في القادسية و العذيب وربطوا بينهما بسور يمتد لستة أميال
@
ولكن استخدامه أي (طريق الحيرة) لم يكن بالشكل الذي أصبح عليه في العهد الإسلامي ، حيث تمت عمارته من العراق إلى مكة عمارة ليس لها مثيل عبر التاريخ ،
@
فبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ارتدت بعض قبائل العرب ومنهم أسد وغطفان وطي وكان زعيمهم طليحة الأسدي الذي ادعى النبوة فأنشؤ القواعد الحربية على طول الطريق خاصة في سميرا والربذة
@
وقد سلك بجيش المسلمين قائده خالد بن الوليد رضي الله عنه هذا الطريق ومر بفيد والثعلبية
@
وفي أواخر سنة 12هجري عاد خالد بن الوليد رضي الله عنه من العراق لأداء الحج بسرية تامة وبرحلة سريعة حيث وصل لذات عرق في أقل من أسبوعين وذكر بأن مسار الطريق الذي سلكه من أقصر الطرق
وفي عهد عمر رضي الله عنه بعث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بجيش على العراق وقد نصحه بالأماكن التي يعسكر فيها ، وقيل بأنه مكث في الثعلبية 3 أشهر
@
وذكر الطبري بأن سعدا ظل في زرود خلال فصل الشتاء كاملا وانتقل بعد ذلك إلى شرف والعذيب وهو في طريقه إلى القادسية
@
وفي عهد الخطاب أنشأت البصرة والكوفة وتم ربطهما بطرق برية مأمونة
@
وقد تولى على البصرة أبا موسى الأشعري سنة 17 هجرية فقام بحفر الآبار على طول طريق البصرة مكة
@
وخلال خلافة عثمان رضي الله عنه تم حفر العيون في منطقة فيد
@
وتولى البصرة عبدالله بن عامر وقام بأعمال جليلة على طريق البصرة مكة وكانت النباج والقريتين وبستان بني عامر من بين تلك المحطات التي أنشاها
@
وممن سلك ذلك الطريق الحسين بن علي رضي الله عنه وقد توقف في عدة أماكن منها الحاجر وزرود والثعلبية وزبالة والعقبة
@
وقد بذل الأمويون جهودا كبيرة في تحسين الطرقات بين البلاد الإسلامية ، ومما يذكر بأن عبدالملك بن مروان أمر بإنشاء محطة الثعلبية
@
وقد سلك الحجاج طريق الحج البصري في عودته من الحج وأمر بالكشف عن الصالح من مياه الدرب للشرب فوجدوه مياه ماوية ووجدوه أخف مياه الطريق وزنا
@
درب زبيدة ،،، في العهد العباسي قام الخلفاء منذ بداية الدولة بعمارة طريق الحج من الكوفة إلى مكة بشكل كبير جدا
@
فأول الخلفاء العباسيين السفاح أمر بإقامة الأميال (أحجار المسافة) والأعلام وضرب المنار على طول الطريق من الكوفة إلى مكة وذلك في عام 134هـ
@
وأكمل البقية من الخلفاء وزوجاتهم وبالأخص زبيدة تطوير الطريق وتزويده بكل مايلزم من برك وآبار وقصور واستراحات وغيرها
@
وعليه تلقى الخليفة المنصور ، خبر وفاة أخيه وهو في عودته من الحج ، وأعلنت له البيعة في صفينة ، على طريق الحج ، وقد توفي هو أيضا وهو على طريق الحج سنة 158هجرية ودفن بالقرب من مكة
@
وقام الخليفة عبدالله المهدي بأعمال جليلة حيث مهد الطريق ورصفه ، وقد أحضر له الثلج وهو في مكة 160 هجرية ، وقد أمر بإنشاء البريد لأول مرة بين مكة والمدينة واليمن
@
ثم هارون الرشيد الذي حج تسع مرات ، وقد تطور الطريق في عهده بشكل كبير وكان في كل رحلة يرافقه مائة من الفقهاء ويحج على نفقته ثلاث مئة من الرجال ،، وكان يمشي ثلاثة أميال ثم يرتاح ، ثم يمشي أخرى حتى يتم أربعة فراسخ ، فينزل في قصر أعد له يكسر فيه يوما ثم يرتحل مثل ذلك ، وكانت أخبار البلدان تأتيه في كل منزلة ، فكانت الأخبار تأتيه على النجائب من مسيرة ثمانية أيام ، ويأته الجواب من مسيرة شهر ونحوه على أجنحة الحمام فلم يزل ماشيا حتى وصل مكة في ثلاثة أشهر
@
السيدة زبيدة ،، وهي من أشهر من قام بعمل إصلاحات هائلة على طرق الحج في الدولة العباسية وخصوصا داخل الجزيرة العربية
@
وخلال القرون المتوالية ، توالت الإصلاحات تزيد تارة وتنقص تارة وبعد المقتدر بالله ضعفت الدولة العباسية وكانت آخر قافلة تجهز بواسطة خليفة عباسي عام 641 هجرية
كشف لبعض أسماء ولاة (عمال) طريق الكوفة - مكة في عصر الدولة العباسية

قلت :_ وهناك ايضا شخصيات اسلامية كثيرة ومتنوعة أسهمت في بناء وعمارة الطريق عبر الأزمنة المتتالية ،، منهم (ق2-3هـ)عيسى بن موسى ،، موسى بن عيسى بن موسى ، أبو مسلم الخرساني ،،يقطين بن موسى ،، الأسرة البرمكية ،، خزيمة بن خزام ،، علي بن عيسى ،، عبدالله بن مالك ،، خالصة (خادمة الخيزران) ،، حسين الخصي ،، مسرور الخادم ،، عمر بن فرج ،، وغيرهم كثير ممن بذلوا جهودا كبيرة وكثيرة
@
درب زبيدة ،، مثل ما مر في مراحل تطور وبناء في العهود الإسلامية المتوالية ، فقد مر أيضا بلحظات عصيبة وأياما اليمة أصبح فيها خاويا وخاليا من الحجاج والمسافرين بسبب الجوع والظمأ والخوف والهلع كما حدث من تدمير وقتل في أيام القرامطة
@
درب زبيدة ،،، تحدث عنه الجغرافيين القدامى والبلدانيين وغيرهم ممن لهم صلة بهذا العلم أو ممن تقلدوا مناصب في الدولة مكنتهم من الوصول للسجلات الرسمية التي تتناول تلك المسالك وممن كتب عنه قديما ، ابن خرداذبة ، وابن رستة ، وأبو الفرج ، واليعقوبي ، والمقدسي والهمداني ، والحربي ، وابن جبير ، وابن بطوطة ،، وغيرهم كثير عبر الأزمنة الماضية وحتى هذا العصر . وممن كتب عنه في العصور المتأخرة الرحالة الغربيين والذي مر بعضهم على أجزاء منه ، بل لازالوا حتى اليوم