بسم الله الرحمن الرحيم
في واحدة من ليالي الصيف الحارة خرجت انا وابو مشعل وهو صديق قديم يحب العزلة وما يحب كثرة أفراد الرحلة، تعودنا على الخروج معاً اثنان فقط، كان القصد من الرحلة هو صيد الدخّــل وتعرفون ان الدخل يأتي في شهر اغسطس من كل عام.
هدفنا هو شعيب الحسكي شمال الزبيرة.
كان وقت خروجنا نهاية الإسبوع وبسبب الزحمة تأخرنا في الوصول الى الشعيب المستهدف، ولذا قررنا واتفقنا على المبيت قبل الشعيب ومن ثم المواصلة في الصباح الباكر.
حطينا رحالنا في رمال المظهور قبالة قرية البعيثة، وبقي على الهدف أكثر من سبعين كيلومتر.
كان الجو صافياً والمنظر في تلك المنطقة غاية في الإثارة فبمجرد إطفاء أنوار السيارات تحس بالسكون ، والظلام الدامس الذي يلف حولك إلا من نور بسيط للنجوم وللمجرة البارزة ، وهنا تحس إحساساً خاصاً بعظمة الخالق الذي خلق النجوم وكون الأكوانا.
أبو مشعل خرمان بر في تلك اللحظات ، فبمجرد مشاهدته لنبات الارطى بدا وكأنه مخبول وقرر قطع بعض الأغصان وإيقاد النار، رغم اننا في عز الصيف بس وش تقولون بالخرمان !
نصحته بعدم فعل ذلك لأن الإحتطاب في الليل ينطوي على الكثير من الخطورة.
لم يسمع ولم يأبه لنصحي وقام بإنزال (المسحات) واتجه إلى إحدى الأشجار القريبة من مكان المبيت . وشرع يزيح التراب بالمسحات ويخلص أغصان الارطى بيديه ممسكاً بالمسحاة بيد ويخلص بيده الأخرى. كان لايحمل معه كشاف بل اكتفى بنور السيارة الخافت، ولم يلبس القفاز الجلدي الأصفر.
تركته وبدأت بإنزال العفش استعداداً للمبيت وكل منا منهمك في عمله، وفجأة صرخ ابو مشعل صرخة قوية مجلجلة ، وظننت أنه أصاب نفسه.
فزعت من صرخته وناديته بصراخ مماثل: وش بك ؟
قال: قُرصت!
قلت: عقرب والا حيّة؟
قال: عقربن ملعونة!
اسرعت إليه ومعي عصا طويلة كنت استخدمها في المشي ووجدته جالساً محمر الوجه وتبدو عليه علامات الألم الشديد، ووجدت العقرب ، كانت عقرباً سوداء كبيرة التصقعت بأحد جذور الارطى وعندما حاول حمل عرق الارطى تمكنت منه لسعته.
قال: بسيطة، بعد شوي تطيب.
قلت له: لااعتقد ان هذه العقرب بسيطة ، واقترحت أن نذهب الى مستشفى قبة.
قال مستشفى قبة بعيدة، والمسألة بسيطة هيا بنا نضع يدي في البنزين وباذن الله تطيب.
طريقة وضع العضو الملسوع بإناء بنزين كانت سائدة ولا أعلم عن نجاعتها ، وبسرعة البرق شفطت له بنزين ووضعته في القدر وسط أنين ابو مشعل.
عرفت أبا مشعل جباراً لا جواراً ولذا كنت أحس بإحساس الألم الشديد الذي يعانيه.
مضت ستاً وأربعون دقيقة وهو على حالة مغمض العينين وأهداب عينيه ترمش ويئن تحت وطأة الألم ، ولم يتغير شيء حينها اقترحت عليه أن نذهب الى المستشفى فلم يطرأ أي تحسن على حالته الصعبة ،
وبصراحة انتابني الخوف نظراً لوقوفي موقف المتفرج ( ولوحدي) في هذا الموقف الصعب.
حينها اتخذت قراري بنقله إلى المستشفى خوفاً من مضاعفات وبصراحة انا اعتقدت انه بدأ يحتضر ( ابليس وسوس لي)
حملته بصعوبة إلى السيارة ووضعته جالساً بجانبي في المقعد الأمامي وانطلقت به الى مستشفى قبة .
وكانت ساعة متأخرة من الليل وتصورت ان قبة تبعد مئات الكيلومترات . وصلنا المستشفى وعلى الفور تمت معالجته بسرعة فائقة . أخبرني أحد الممرضين أن هذه الحالة تمر بهم شبه يومي، بل أنهم يتعاملون مع عض الافاعي الخطرة مثل ام جنيب.
شعرت بالارتياح ودخلت الى صديقي فوجدته مستلقياً على السرير الأبيض ومغمض العينين وناديته من بعيد فرد علي دون أن يفتح عينيه ، ولكنه اخبرني انه على ما يرام. بعد نصف ساعة ، أخبرونا أنه يمكننا المغادرة ولا يوجد أي خطر على المريض وأن حالته تتحسن بسرعة وأعطوه بعض الأدوية المسكنة والمضادة للألم.
خرجنا وحمدت الله على سلامته واتجهنا الى موقعنا حيث عفشنا، اقترحت عليه أن نرجع إلى الديرة ، ولكن ابو مشعل كان له رأي آخر. فحلف حلفاً أن لا نغادر المكان وأن نبقى كما كنا (قبل الحادثة المشؤومة) وبسرعة استجبت لرغبته وشرعنا في استكمال رحلتنا ( والباقي عندكم علمه).
من هذه الحادثة كانت لي تجربة شخصية مريرة ولكني خرجت منها بخبرات كثيرة، ساعدتني في التعامل السهل واتخاذ القرارات السريعة والحكيمة في مواقف مشابهة.
شكلي طولت عليكم لكن هالقصة مانيب ناسيها أبداً وستظل عالقة برأسي ما حييت.
وسلامتكم