دلفت إلى مكتبي ذلك الصباح الباكر الجميل ، كان يوم سبت ... و السماء ملبدة بالغيوم ... كنت أنظر إلى الزرقة البعيدة
الواسعة و أمتع ناظري فيها ... أسافر كأحلامي الكثيرة ... و عيناي تطيران كطيور فرحة ... فجأة حطت حمامتان
رماديتان على شرفة نافذتي ... من أي أرض جاءتا ؟ و في أي عش كانتا تغردان بسعادة وفرح ؟ كيف جاءتا ؟ و لماذا ؟ هل افتقدتهما أمهما ؟ كنت أنظر إلى عيونهما المدورة الصغيرة الخائفة .. و رأسيهما الناعمين المتحركين .
أنا أحب الحمام فابتسمت لهما وهما يحطان قدماهما القصيرتين الجميلتين على الشرفة كان المنقاران طريين ...حاولت أن ألمس الريش الناعم ... ففزعت الحمامتان وطارتا في الفضاء .وأخذت إحداهما تصفق بجناحيها ثم تهوي و تستقيم .. إنها تلعب في الهواء الواسع .. حرة طليقة .. و أنا سعيد بهذا ... لم يدم ذلك طويلاً فقد عادتا سريعاً إلى الشرفة فقد إلفتا المكان فيما يبدو ... كانت الحمامتان تنظران إلي و أنا أفتح النافذه ... عينوهما الذهبية تدور وتجول بالمكان
الشمس كانت قوية والدفء في كل مكان .بدأت الحمامتان تتشاكسان على نافذتي .
باكرا كل صباح وعندما افتح النافذه تفزعان وتغيبان بلا اثر .الشرفة الآن صارت ملعبهما .
مع اصطفاق جناحي الحمام على زجاج نافذة الغرفة تسلل إلى تفكيري سؤال هل سيكون هذا الزجاج هو الحاجز الفاصل بين عالمين عالمي وعالم الحمامتان .
كنت أقرأ صحف الصباح المليئة بأخبار العالم المزعجة بمناظر وروائح الدم والحروب والحوادث والجرائم .خلال ذلك كنت ارمق العالم الآخر في الشرفة واتساءل هل تعلمان عن عالمنا . وما أن أنهيت قراءة الصحف واحتساء قهوة الصباح حتى قررت الحمامتان المكوث في دفء الشرفة وبدأتا في بناء عش الزوجية عوداً عوداً .
لكن كيف قررتا ذلك الا تخافان مني على انفسهما وعلى عشهما وبيضهما وفراخهما في مابعد . وهل فكرتا في عامل النظافة عندما يأتي كل صباح ليزيل الغبار من على الشرفة فكيف بالاعواد !!!
لذلك قررت أن أستضيفهما على شرفة نافذتي ولن اسمح لاحد بازعاجهما .
هللت الحمامتان وكبَّرتا على هذا السخاء.هل يستضيفنا لسواد عيوننا أم أنه يريد وجه الله ولا يبتغي شيئاً سواه؟!أم إنه تقاطع المصالح؟!فما الذي يريده إذن؟!
ماهذا النواح ياحمامتي هذا الصباح لقد ذكرتيني بأبي فراس الحمداني حينما سمع الحمامة التي اعتبرها تنوح وتشاركه حزنه وفراق أحبته وهو في سجن الروم قائلاً :
[poem=font="Simplified Arabic,5,black,normal,normal" bkcolor="transparent" bkimage="" border="none,4,gray" type=1 line=0 align=center use=ex num="0,black"]
اقول وقد ناحت بقربي حمامة = ايا جارتا هل تشعرين بحالي؟
ايا جارتا ما انصف الدهر بيننا = تعالي اقاسمك الهموم تعالي
ايضحك ماسور وتبكي طليقة = ويسكت محزون ويندب سال؟
لقد كنت اولى منك بالدمع مقلة = ولكن دمعي في الحوادث غال !
بعد بضعة أيام وبعد أن تعودنا على بعضنا البعض وصارت الالفة بيننا ، وبنينا جسوراً من الثقة سألتني الحمامتان ماهذا البخل ياأباسديم؟
نعم كنت بخيلاً معهما فلم أكلف نفسي بتقديم واجب الضيافة لهما حتى ولا شربة ماء أو حبة قمح . بيد أنني تعمدت البخل معهما حرصاً عليهما فقد تذكرت قصة الفراشة والشرنقة ولم أحب أن تتكرر القصة مع حمامتي فأردت أن تعتمدان على نفسيهما .
وقصة الفراشة لمن لايعرفها هي:
الفـراشة
في أحد الأيام، وجد رجل شرنقة فراشة على أحد الأشجار، فأخذها الى بيته وأحتفظ بها. بعد بضعة أيام، ظهرت فتحة صغيرة في هذه الشرنقة.جلس الرجل يراقب لساعات طويلة كفاح الفراشة وهي تدفع بجسمها من خلال هذه الفتحة الصغيرة. كان يبدو على الفراشة وكأنها لم تقدر أن تخرج من الشرنقة، فكان يراقبها بكل شوق، متمنيا لو إستطاع مساعدتها. ولما بدى الأمر كما لو أن الفراشة عملت كل ما تستطيع ولن تقدر أن تتقدم عما وصلت إليه. قرر هذا الرجل أن يساعد الفراشة.فأخذ الرجل مقصا وقص الجزء الباقي من الشرنقة. وهنا خرجت الفراشة من الشرنقة بمنتهى السهولة. ولكن كان هناك شيئا غريبا. فقد كان للفراشة جسما منتفخا وأجنحة ضامرة. استمر الرجل يراقب الفراشة لأنه توقع أنه في أية لحظة تالية، ستكبر أجنحتها وتتمدد وستكون قادرة على تدعيم جسمها، الذي سيصغر فى نفس الوقت. لكن لم يحدث أي من الأمرين !!!. فى الحقيقة قضت الفراشة بقية عمرها تزحف فى نفس المكان بجسد منتفخ وأجنحة مشوهة. ولم تستطع أبداً أن تطير كباقي الفراشات.
إن الأمر الذى لم يفهمه هذا الرجل في طيبته وتعجله، أن الفتحة الضيقة في الشرنقة والكفاح الشديد المطلوب من الفراشة لتخرج خلالها هي الطريقة التي ألهمها الله لدفع السوائل من جسمها الى جناحيها حتى تصير جاهزة للطيران فور تحررها من الشرنقة.
أخي وأختي، إن الآلام التي نلقاها أحيانا في حياتنا هي مدرسة لنا، فمن خلالها، ندرب أنفسنا ونتعلم كيف نتكل على إلإله الحي. لأنه إذا سارت حياتنا بدون أية عوائق ، فإن ذلك سوف يجعلنا معوقين وضعفاء. فإن الضيق ينشئ صبرا.
الآن و في كل يوم تخرج حمامتي من عشها .. و تطير .. كثيرا .. و كثيرا ما شاهدتها تلعب في الأجواء ..
غير أنها تعود وحيدة ترقد على البيض في العش .
فقست بيضه وخرج فرخاً صغيراً للحياة وبعده بيومين خرج الفرخ الآخر .
اقتربت الحمامة بخوف وحامت فوق العش.فتح الفرخان منقاريهما. أتت الحمامة، وحامت فوقهما.توقفت الحمامة على العش، ونظرت الى الأسفل بأسى. . طارت قليلا ثم عادت الى العش.طارت ثم عادت. طارت ورجعت ثانية. تعبت من متابعتها لكن لن تتعب الحمامة.
نعم كبرا الصغيران وماهي الا ايام معدودة الا وطارا وتركا العش . ظننت أنهما غادرا للابد ، لكنهما لم يلبثا إلا قليلاً ثم عادا للعش . وعرفت أن الذي أعادهما هو الحنين إلى الوطن.
طار الفرخان وتركاني حزيناً أنظر الى العش الخالي فقد حان الفراق وهذه الدنيا لقاء وفراق .
مرت الايام الماضية كشريط سنمائي وانا اراقب الحمامتان منذ حطتا رحالهما في شرفة النافذة إلى أن غادرتا فتذكرت حياتنا كم هي قصيرة
اتمنى أن تعجبكم مشاركتي
اللهم اجعل ايامنا عامرة بالطاعة واختم لنا بالصالحات
التوقيع
التعديل الأخير تم بواسطة يعقوب الوهيب ; 19-02-08 الساعة 09:44 AM
الآدمـي تـكـشـف مع الوقــت خافيه
ويبين لك طـيـب الرجـل من خماله
لا طـالـت الـخــوه ظهــر كل ما فيه
وعـرفـت دقــه وقــتـها من جــلاله
أما طــلـع خــويـك الـلـي تــخـاويه
والا سـمـحــت وقــلـت مالي وماله
في قصة الحمامه هذه الكثير من العبر والحكم، وفي سردك متعة كبيره، وعبرة في قصة الفراشه، هنيئا لك يامنتدى الرحلات بمثل هذا الأديب والمفكر المبدع أبو سديم، الكل محتاج لقراءة مثل هذه المواضيع، فكم ابتعدنا عن سنة الطبيعه الى أنظمة الآألة والحياة المعقده، وتركنا التمعن في أصل الحياة، أشكرك على هذا الموضوع الشيق والجميل، ونتمنى ان نرى منك المزيد.
أخي الفاضل ريع الدياب
بارك الله فيك وأجزل لك الأجر والمثوبة
كلماتكم في حقي وسام شرف
أخي الفاضل جلمود الجبيري
كل الشكر لك أخي على تشريفكم الكريم
أخي الكريم صقر
شكراً لك على كريم تفضلك بالمرور وسرتني إشادتكم
أخي الغالي راعي الذوق
قد لا يعلم الجميع أنك صاحب الفضل في ظهور الموضوع
فإصاررك على إنزال الموضوع هو مادعاني للبحث عن صور الحمامة
علما أنني فقدت صور كثيرة لها
ماسطرته أناملك أخي في حقي هي شهادة أشكرك عليها بيد أني لا أستحقها
أخي الكريم مهراس
كل الشكر على ماتفضلت به تجاهي ويكفيني تشريفكم الموضوع
فكيف وقد نال استحسانكم وارتقى لذائقتكم
الاخ مقرن الشوش
أشكرك على تشريفك الموضوع واعتذر لكم إذا لم يرق الموضوع لذائقتكم
حياك الله اخي ابويوسف
وبالنسبة للحمام فقد وفد إلي منذ فترة طويلة قبل انفلونزا الطيور ولا زال بين الفينة والأخرى يعاود الحضور وإن كانت على فترات متقطعة ومتباعدة
حياك الله أخي أبو أشرف
حمامنا لحمامكم يهدي سلام وأشكر لك الإضافة لهذه الحمامة الجميلة